محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

865

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الأسرار قال المعتبرون بآيات اللّه : ذكر اللّه تعالى أنّ في الخمر والميسر إثما كبيرا ومنافع للناس ثمّ قال : وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ، قابل بين الإثم والنفع ورجّح الإثم ، وما قابل بين الضرّ والنفع ؛ فينبغي أن يبحث عن معنى الإثم ، وفي الخبر عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « استفت قلبك وإن أفتاك المفتون » 119 والإثم ما جاءك في صدرك وكرهت أن يطّلع عليه الناس ؛ فالإثم مضرّة تؤثر في النفس لا في البدن ، ونفع الخمر والميسر في البدن والمال ؛ فمضرّة النفس والروح مرض الشكّ والنفاق أو وغر الغضب والانتقام وفيه البغضاء والعداوة ، أو سورة الشهوة والحرص وفيها التكاثر بالأموال والتفاخر بالأنساب . فالأخلاق النفسانية تتبدّل بإثم الخمر والميسر وذلك أكثر من منافع البدن والمال ، والعاقل إذا قابل بين شيئين في النفع والضرّ وأحدهما يكون تأثيره في النفس والثاني يكون تأثيره في البدن اختار لا محالة أهون الضررين وأكثر النفعين وذلك أنّه التحريم أو التحويم على التحريم . وسرّ آخر : أنّ التكاليف كلّها مواجبها ومزاجرها لم تتوجّه على العباد دفعة واحدة ، بل بتدريج النفوس القابلة لها شيئا بعد شيء وزمانا بعد زمان تعريجا من الأدنى إلى الأعلى ، وتدريجا من الأقلّ إلى الأكثر والأسهل إلى الأشدّ ، رفقا بالنفوس الآبيّة ولطفا على العقول ( 357 ب ) الشاردة والطباع النافرة ؛ وكذلك الآيات في تحريم الخمر ؛ فإنّه تعالى ذكر منافعها ومضارّها أوّلا ، ورجّح المضارّ المؤثّرة في النفوس الحايكة في الصدقة على المنافع المؤثّرة في الأبدان والأموال ، ثمّ أنزل آية المنع من الصلاة وهم سكارى كأنّه يردّهم عن بابه ويقطعهم عن أسبابه ، لتحملهم أنفة الاستذلال على الإقلاع عن مباشرتها والاستقلال من معاطاتها ؛ فلمّا تمكّنت في النفوس مضارّها ومآثمها وتقرّرت في العقول أنّها مذهبة للعقول مسلبة للأموال مدفعة عن الصلوات مجلبة للسيّئات أنزل اللّه تعالى آية النهي والتحريم ، وفرضها في سلك الشرك ورجس الشيطان الرجيم ، وبيّن أنّها مظنّة العداوة والبغضاء ، وصادّة عن ذكر اللّه وعن الصلاة ؛ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ، نهاية في اللطف والاستعطاف بعيدة عن العنف والاعتساف . يا كرما ما له غاية . يا فضلا ما له نهاية . وسرّ آخر : أنّ من خواصّ الخمر النفوذ في أعضاء الإنسان في أسرع زمان ، كالسيل